نُشرت هذه الدراسة التي من قبلنا ضمن مجلة البحوث والدراسات العربية، العدد (83)، ديسمبر 2025.
تتناول الدراسة إشكالية قانونية وإدارية ذات أثر مباشر على الإدارة المالية العامة في دولة الكويت، تتمثل في مدى السلطة الممنوحة لـ ديوان المحاسبة الكويتي في تنظيم شؤون موظفيه، وإقرار المزايا المالية والنقدية الخاصة بهم، ومدى انسجام ذلك مع التشريعات العامة المنظمة للخدمة المدنية، وانعكاسات هذه الممارسات على الميزانية العامة للدولة.
وتنطلق الدراسة من واقع مالي يشهد تصاعدًا ملحوظًا في الإنفاق على بند المرتبات والأجور في الميزانية العامة الكويتية، حيث تشير البيانات المالية الرسمية إلى وصول هذا البند إلى مستويات مرتفعة مقارنة بإجمالي المصروفات والإيرادات العامة، بما يعكس وجود اختلالات هيكلية تهدد الاستدامة المالية على المدى الطويل.
وترى الدراسة أن من أبرز أسباب هذا التوسع ظهور ما يعرف بـ«الكوادر المالية الخاصة» لبعض الجهات الحكومية، وهي مزايا واستثناءات مالية أُقرت خارج الإطار التقليدي الموحد للرواتب في الخدمة المدنية. وتوضح الدراسة أن الكادر المالي الخاص بديوان المحاسبة مثّل تحولًا مهمًا في هذا السياق، باعتباره من أوائل النماذج التي دفعت جهات حكومية أخرى إلى المطالبة بمعاملة مماثلة، الأمر الذي ساهم في تضخم بند الرواتب والأجور بصورة متسارعة.
وتبحث الدراسة في الإشكالية القانونية المتمثلة في التوازن بين استقلال الأجهزة الرقابية العليا، باعتباره ضمانة أساسية لحماية المال العام وتعزيز النزاهة والشفافية، وبين خضوع هذه الجهات للقواعد العامة المنظمة للوظيفة العامة والسياسات المالية للدولة. كما تناقش مدى جواز تفسير استقلالية ديوان المحاسبة باعتبارها سلطة مطلقة تتيح له إقرار مزايا مالية بصورة مستقلة عن مجلس الخدمة المدنية والتشريعات العامة ذات الصلة.
وفي هذا الإطار، تناولت الدراسة عددًا من التساؤلات المحورية، من أبرزها:
- ما حدود السلطة القانونية الممنوحة لديوان المحاسبة في شؤون موظفيه؟
- هل يملك الديوان صلاحية مستقلة في إقرار الكوادر والمزايا المالية؟
- ما أثر المرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1979 بشأن الخدمة المدنية على استقلالية الديوان؟
- وما انعكاسات هذه الصلاحيات على العدالة الوظيفية والاستدامة المالية للدولة؟
واعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي القانوني والتشريعي، من خلال تحليل:
- القانون رقم (30) لسنة 1964 بشأن إنشاء ديوان المحاسبة.
- المرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1979 بشأن نظام الخدمة المدنية.
- القرارات واللوائح والتعاميم ذات الصلة بشؤون التوظيف والكوادر المالية.
- الآراء الفقهية والتطبيقات العملية المرتبطة بتنظيم شؤون الموظفين في القطاع الحكومي.
كما تناولت الدراسة مفهوم الرقابة على الأداء، ودور الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في تعزيز الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، موضحة أن استقلالية هذه الأجهزة تمثل عنصرًا أساسيًا لتمكينها من أداء دورها الرقابي بكفاءة وحياد، إلا أن هذه الاستقلالية يجب أن تمارس ضمن إطار قانوني متوازن يراعي وحدة السياسة المالية العامة للدولة.
وتستعرض الدراسة كذلك أبرز التحديات التي تواجه الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، خاصة في الدول النامية، ومن بينها:
- التحديات المرتبطة بالاستقلالية القانونية والمالية والإدارية.
- ضعف الأطر التشريعية المنظمة.
- محدودية الكفاءات والتدريب والبنية التقنية.
- صعوبة متابعة تنفيذ التوصيات الرقابية.
- تأثير الضغوط السياسية والإدارية على فعالية العمل الرقابي.
كما ناقشت الدراسة عددًا من التجارب العربية والأجنبية والدراسات المقارنة المتعلقة باستقلال الأجهزة الرقابية العليا، وأثر البيئة التشريعية على كفاءة عملها، مع الاستفادة من مؤشرات ومعايير دولية تتعلق باستقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.
وتخلص الدراسة إلى أن استقلالية الأجهزة الرقابية لا ينبغي أن تُفسَّر باعتبارها استثناءً كاملاً من النظام العام للخدمة المدنية أو من السياسة المالية للدولة، خصوصًا عندما يترتب على ذلك آثار مالية واسعة تؤثر على الميزانية العامة وتوازن هيكل الرواتب في القطاع الحكومي. كما تؤكد الدراسة أهمية تعزيز الحوكمة المالية، وتحديث الإطار التشريعي المنظم لديوان المحاسبة، وتطوير آليات التنسيق مع مجلس الخدمة المدنية والجهات المختصة، بما يحقق التوازن بين استقلال الأجهزة الرقابية ومتطلبات العدالة الوظيفية والاستدامة المالية.
خاتمة الدراسة
تثير هذه الدراسة نقاشًا مهمًا حول حدود استقلال الأجهزة الرقابية العليا، ومدى تأثير القرارات المالية الخاصة بها على السياسة المالية العامة للدولة. كما تسلط الضوء على أهمية تحقيق التوازن بين حماية استقلال العمل الرقابي من جهة، وضمان وحدة النظام الوظيفي والمالي للدولة من جهة أخرى، بما يعزز الحوكمة الرشيدة ويحافظ على كفاءة واستدامة المالية العامة في دولة الكويت.
