الصناديق السيادية للدولة وميثاق الشفافية المالية (4)

صحيفة الانباء 29 يونيو 2021

https://alanba.com.kw/1053869

تم اعتماد مؤشر  لينابيرغ – مانويل للشفافية (Maduell- Linaburg Transparency Index) بشكل موسع من قبل صناديق الثروة السيادية في تقاريرها السنوية ومختلف المنشورات والوثائق ذات الصلة، ويعد هذا المؤشر وسيلة لتصنيف الشفافية فيما يتعلق بصناديق الثروة السيادية.

ولعل نرى من المناسب أنّ نشير إلى أفضل الممارسات الجيدة للشفافية في الصناديق السيادية؛ فصندوق الثروة السيادي النرويجي يعد من أفضل الصناديق السيادية من حيث الحوكمة والشفافية، وأكبرها حجماً وأكثرها نفوذاً، كما يعتبر الصندوق السيادي النرويجي نموذجًا لأفضل الممارسات، لأنّه لم يتجاهل أهمية دمج قضايا البيئة والمجتمع والحوكمة في عملية اتخاذ القرارات الاستثمارية، وقد نجح الصندوق في هذا المجال محققاً معدلات عائد عالية في ظل اعتماد استثماراته على التنمية المستدامة.

والنرويج بدأت في استغلال احتياطاتها من النفط والغاز في عام 1969، وفي عام 1990 أنشأت الحكومة النرويجية بقانون صادر من البرلمان صندوق الثروة السيادي، والذي أطلق عليه أولاً اسم صندوق البترول، ثم تمت إعادة تسميته إلى صندوق التقاعد الحكومي، وهو ينقسم إلى قسمين الأول: صندوق التقاعد الحكومي العالمي  (GPFG)والثاني: صندوق التقاعد الحكومي النرويجي(GPFN)، والهدف من إنشائه استخدام عائداتها من احتياطي النفط بعيداً عن تأثير دخل النفط المتقلب على الإنفاق الحكومي، كما هو واقع الحال في وضع الميزانية العامة لدولة الكويت وتأثيرات تقلبات أسعار النفط على نتائج الميزانية من وفر أو عجز.

ويعمل الصندوق النرويجي أيضًا كأداة لتحقيق وفورات مالية طويلة الأجل، مما يضمن استفادة الثروة النفطية في النرويج ليس فقط للجيل الحالي، ولكن أيضًا للأجيال القادمة، وبالتالي الوفاء بالالتزام الأخلاقي بما يتماشى مع مبدأ المساواة بين الأجيال، وتستفيد الميزانية العامة للنرويج فقط بنسبة 3% من عوائد الصندوق ويمثل ذلك نحو 20% تقريباً من ميزانية النرويج، مما يحقق الاستدامة المالية للصندوق وميزانية الدولة.

ويعد الصندوق كمستثمر مسؤول في الوفاء بهذا الالتزام الأخلاقي، وذلك من خلال ممارسة الحوكمة الرشيدة لإدارة الشركات، وتعزيز التنمية المستدامة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، واستطاع الصندوق السيادي النرويجي ككيان ربحي أنّ يحقق المعادلة الصعبة في  التوازن بين الحد الأقصى من العائدات المالية والتنمية المستدامة؛ حيث اعتمد البرلمان النرويجي المبادئ التوجيهية الأخلاقية للصندوق في عام 2004، والتي توضّح متطلبات التنمية المستدامة بشكل أساسي، وهي ترتكز إلى تحريم الاستثمارات التي من شأنها أن تعرّض الصندوق لخطر غير مقبول للمساهمة في الانتهاكات الجسيمة أو المنهجية سواء كان متعلق ذلك في مجال حقوق الإنسان أو المجال البيئي أو المجال الأخلاقي، وقد تم إجراء عملية تقييم لتلك المبادئ في عام 2008 وتم تعديلها في عام 2010.

ولعل من أهم مقومات نجاح الصندوق السيادي النرويجي هو التزامه بمبادئ الاستثمار المسئول المستدام (ESG)؛ وهو الاستثمار الذي يراعي عوامل أخرى بخلاف التركيز على البيانات المالية وأداء القطاعات المستثمر بها، وهي اعتبارات ترتكز إلى مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسئول (UN PRI)، وكما أشرنا سابقاً قد نجحت فلسفة الإدارة النرويجية لصندوقها السيادي في الدمج ما بين تعظيم العوائد المالية وتحقيق الاستثمار المستدام مستغلةً بذلك حجم صندوقها وتأثيره الاستثماري.

لذلك وفي هذا السياق فإنّ المقترَح الذي تَقَدّم به بعض النواب، والذي سبق الإشارة له سابقاً بطلب تعديل قانون الهيئة العامة للاستثمار، بما يسمح بنشر تقارير دورية عن أداء الهيئة والصناديق السيادية التي تديرها في رأيي يعتبر تعديلاً منقوصاً، فهو لن يحقق مبادئ الحوكمة بمفهومها الشامل وإنّما يحقق قدراً ضئيلاً منها، وباعتقادي أنّ مقترح التعديل التشريعي هذا لن يفضي إلى الدور الرقابي للسلطة التشريعية على النحو المطلوب.

وعليه يتطلب أنّ يكون هناك تعديلاً تشريعياً يحقق المشاركة الفعالة لمجلس الأمة في تحقيق إدارة حكيمة للصناديق السيادية، ولا اقصد هنا المشاركة في الإدارة التنفيذية بما يخالف أحكام الدستور؛ وإنّما المقصود بها المشاركة المسؤولة فيها كما هو متبع في النرويج.

نُشر بواسطة bader alhammad

من مواليد الكويت عام 1964 ، حاصل على الاجازة الجامعية في تخصص المحاسبة عام 1988 بتقدير جيد جدا . بدء عمله في ذات العام بوظيفة محاسب بوزارة المالية وتدرج في المناصب الاشرافية كرئيس قسم التوجيه المحاسبي ثم مراقب مالي ثم مديرا لإدارة الرقابة المالية الى ان صدر به مرسوم اميري عام 2013 بتعينه وكيل مساعد بوزارة المالية حيث شغل منصب الوكيل المساعد لشئون الرقابة المالية . ثم عين بمرسوم اميري رئيسا لقطاع الرقابة المالية بجهاز المراقبين الماليين عند انشاءه في عام 2015 حيث شغل منصب رئيس قطاع الرقابة المالية للهيئات الملحقة والمؤسسات المستقلة خلال الفترة من عام 2016 حتى عام 2018، ومن ثم شغل منصب رئيس قطاع الرقابة المالية للوزارات والإدارات الحكومية في أكتوبر 2018 ، وبالإضافة الى عملة كلف بمنصب نائب رئيس الجهاز بالوكالة في نهاية ديسمبر 2018 حتى نوفمبر 2019.، وحاليا كاتب رأي ومتخصص في شئون المالية العامة في صحيفة الانباء الكويتية. كما شغل العديد من المناصب الأخرى محليا وخارجيا فكان عضو مجلس إدارة بنك الائتمان الكويتي، وعضو مجلس المدراء التنفيذيين للبنك الإسلامي للتنمية IDB و مجلس المديرين التنفيذيين لصندوق التضامن الاسلامي ISFD و مجلس المديرين التنفيذيين للمؤسسة الاسلامية لتامين الاستثمار وائتمان الصادرات ICIEC . هذا وقد شارك في العديد من اللجان منها الإدارية والفنية ولجان تقصي الحقائق و التحقيق محليا وخارجيا ، وله العديد من الآراء والاجتهادات الفنية التي اثرى بها العمل في مجال الرقابة المالية باعتباره احد مؤسسي نظام الرقابة المالية المسبقة بدولة الكويت ، وقد اصدر له جهاز المراقبين الماليين كتابه الأول في عام 2017 بعنوان ( بعض المسائل الفنية في قضايا الرقابة المالية ).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: